Posted by Scientific Literature magazine مجلة الأدب العلمي | 0 comments

ملوثات البيئة الضارة بصحة الإنسان ...الأدب العلمي العدد التاسع والعشرون


د. محمد غسان سلوم

ملوثات التربة soil pollutants :
وهي مركبات ضارة بالأنظمة البيئية في التربة ، تنتقل ملوثات التربة بكافة أنواعها الحاوية على العناصر السامة (كالمبيدات الحشرية) إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية (من التربة إلى النبات فالحيوان ثم الإنسان) وللإنسان دور كبير في تلوث البيئة والمحيط من مخلفات صلبة وطرق الزراعة أو نفايات المصانع وغيرها ، يقول تعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذين عملوا لعلهم يرجعون) سورة الروم آية 41 .

تلوث التربة Soil pollution  :
تلعب التربة عاملاً هاماً في نمو وحياة النباتات وهي الأساس الذي تقوم عليه الزراعة والحياة الحيوانية كما تحتوي التربة على كثير من الكائنات الحية الدقيقة، وتكمن أهمية التربة باعتبارها وسطاً استنادياً للنباتات تنمو فيها الجذور، وعن طريقها تمتص النباتات الماء والأملاح المعدنية المنحلة، فالنباتات الخضراء مهمة لإنتاج الغذاء بواسطة التركيب الضوئي photosynthesis وتتوفر في التربة الشروط البيئية المختلفة من الجفاف والرطوبة والتهوية و الحرارة والملوحة وغيرها، وهي مركز لدورات العناصر الأساسية في الطبيعة.

مكونات التربة :
تعتبر مكونات التربة وسطاً حيوياً لها دور في التلوث و التملح salinization ومن المكونات الأساسية للتربة نذكر : المواد المعدنية و المواد العضوية و الكائنات الدقيقة و الماء و الهواء فمن المواد المعدنية نجد أملاح الكالسيوم و الصوديوم و البوتاسيوم والمغنسيوم و الألمنيوم و الحديد و غيرها من الشوارد السالبة الرئيسية، نجد الفحمات والفوسفات و الكبريتات و السيليكات وغيرها المتواجدة في محلول التربة محدودة جداً، وتكون هذه المحاليل مركزة في الأراضي المالحة و الأراضي القلوية (تملح التربة لدرجة أن أنواعاً قليلة من النباتات تستطيع أن تعيش فيها ). تحتوي التربة الخصبة على كميات كبيرة نسبياً من الغضار galy ذات الأهمية الكبيرة لنمو النباتات حيث إن وجود كمية كبيرة نسبياً من الغضار في التربة تعطيها قدرة عالية للاحتفاظ بالماء، فالتربة المتوازنة (كلس رمل غضار ) هي أفضل التربة ملائمة للأغراض الزراعية لأن الكالسيوم ينشط ،تكون البنية الجيبية التي تحتفظ بنسبة عالية من الماء و تسمح بتهوية جيدة و المواد العضوية في التربة تأتي بشكل أساسي من التفكك الجزئي للبقايا النباتية و تحليل بقايا جثث الحيوانات.و تشكل المواد العضوية في التربة المحور الأساسي لمعظم العمليات الحيوية و التي تقوم بها الكائنات الحية من جراثيم و فطور في التربة كما تحتوي معظم أنواع الترب مواد عضوية من مراحل التفكك بشكل مواد غير متجانسة داكنة اللون تسمى الدبال humus ، ويتألف الدبال بصورة أساسية من نواتج تفكك السيللوز و الخشبين من البقايا النباتية، و تتميز التربة الدبالية بدرجة الحموضة العالية، تنمو فيها نباتات في غابات من أشجار النباتات الصنوبرية، ينتج عن فقر التربة بالمواد العضوية تشكل التربة الصحراوية و الأراضي شبه الصحراوية ويكثر الغضار و الدبال في التربة الخصبة و يشكلان المعقد الغروي المؤلف من دقائق التربة particle التي تعطي التربة الزراعية صفات كيميائية و فيزيائية خاصة. تشمل متعضيات التربة soil organism على الجراثيم و الفطور و الأحياء الدقيقة الأخرى التي تعمل على تفكيك السيللوز والمواد المتشابهة و تعمل بعض جراثيم التربة على تثبيت للأزوت أو تفكيكه، أما الفطور فتعمل بشكل عام على تفكيك المواد العضوية. ونذكر أخيراً من مكونات التربة حيوانات التربة وحيدة الخلية الحيوانية والديدان والحشرات وغيرها التي تفيد في خلخلة التربة مما يسهل دخول الهواء و توزع الماء. ومن التكيفات البيئية للنباتات النامية في التربة الصحراوية أنواع ذات جذور سطحية قليلة العمق و متفرعة كما في نبات Ferocactus  و نبات aristida .

من أهم ملوثات التربة نذكر المواد التالية :

-التلوث بالمخلفات الصلبة :
تنتج هذه المخلفات عن تطور الصناعة وما تنتجه المصانع من نفايات صلبة تنتقل إلى التربة و تساهم في هدم النظام البيئي . عند إلقاء المخلفات الصلبة النباتية (خشب، ورق) و الحيوانية (عظام ، جثث ) في التربة تقوم الكائنات الدقيقة كالجراثيم و الفطريات بتحليلها للحصول على الطاقة و تحرر المواد المعدنية، و تعود إلى التربة مرة ثانية ، أما المخلفات الصلبة الصناعية (بقايا الحديد و الألمنيوم و المواد البلاستيكية و المطاط الصناعي ) فهي مواد غير قابلة للتحلل بيولوجياً، أو أن تحللها بطيء جداً يحتاج لمئات السنين أو أكثر، و بالتالي فإنها تتراكم تدريجياً و تضر بالأنظمة البيئية . ونتيجة تزايد عدد السكان والتطور العمراني تظهر نفايات منزلية صلبة بحاجة للتخلص منها ( كالزجاج و العلب المعدنية الفارغة و بعض اللدائن و الورق وبقايا الأطعمة و غيرها ). عند تعرض هذه النفايات للأمطار أو أي مصدر مائي يؤدي إلى تحلل جزء منها وتسرب جزء آخر إلى التربة و تلوثها، بالإضافة أن بعض هذه النفايات تسبب كثيراً من المشاكل الصحية و نقل الأمراض عبر الحشرات و القوارض، و حالياً تستخدم طرق عديدة للتخلص من هذه النفايات الصلبة ونذكر منها :
أ - تحويل المواد العضوية إلى سماد عضوي يمكن استخدامه في تحسين الإنتاج الزراعي.
ب - جمع و إعادة تصنيع النفايات الورقية وإعادة استخدامها كمصدر للصناعة، فالمواد الزجاجية تستخدم كمواد أولية لصناعة الزجاج و العلب المعدنية الفارغة يعاد تصنيعها مرة ثانية، فنجد في اليابان أن 40 % من إنتاجها للورق يعتمد على النفايات الورقية و في أمريكا نجد أن 50 % من العلب الفارغة يعتمد على نفايات العلب المعدنية الفارغة.
ج - حرق النفايات الصلبة بأفران خاصة للتخلص منها ، و لكن ينتج عنها تلوث بيئي هوائي في الجو من غازات و دقائق معلقة ودخان.
د - دفن النفايات الصلبة ضمن التربة، بعيداً عن المدن و اتباع طرق فنية نضمن عدم تلوث المياه الجوفية و التربة من جراء هذا الدفن، وهي طريقة مستخدمة في مدينة دمشق للتخلص من النفايات المنزلية.

-التلوث بالمخلفات السائلة :
وهذه المخلفات هي مياه المجاري ومخلفات المصانع و الدباغات و مياه المنظفات الكيميائية والزيوت المعدنية المستعملة، تتسرب هذه المخلفات السائلة بواسطة المياه إلى التربة و تلوثها و تقتل الكائنات الحية فيها ، بالإضافة لذلك فإن المخلفات السائلة عبارة عن مياه ملوثة تصبح بؤرة لانتشار الجراثيم والطفيليات الممرضة و تنتقل هذه الكائنات إلى الإنسان عبر المزروعات و خاصة الخضراوات التي تؤكل طازجة دون طبخ. و تؤدي المخلفات السائلة ( مياه المجاري) إلى تملح التربة و هدم بنيتها الفيزيائية، ومن مظاهر ملوحة التربة أثرها الواضح على البيئة المورفولوجية و التشريحية لأوراق النباتات الزراعية، و خير مثال على تلوث بالمخلفات السائلة ما يشاهد في قرى دمشق و غوطتها نتيجة سقاية الأراضي بمياه نهر بردى الملوث بمختلف أنواع الملوثات المائية و التي تنتقل للأراضي المزروعة و تقلل من إنتاجها .

-التلوث بالمبيدات والأسمدة الكيميائية :
تعتبر التربة مستودعاً لتجمع التلوث بالمبيدات والأسمدة الكيميائية المستخدمة في الزراعة لوقاية المحاصيل الزراعية من الحشرات والأعشاب الضارة بالنباتات الزراعية ومن مبيدات الحشرات نذكر منها مركب D.D.T الحاوي على مركبات كلورية سامة، و من خواص المبيدات الحشرية تحللها البطيء و سميتها العامة التي تسبب خللاً في توازن النظام البيئي في التربة، ومن مبيدات الأعشاب الضارة نذكر منها مركب - D 2,4 dichlorophenoxty astatic acid ( 2,4 ثنائي كلور فينوكسي حمض الخل ) بتراكيز معنية و من الأسمدة الكيميائية نذكر الأسمدة الزراعية و الفوسفاتية و البوتاسية، كل هذه المركبات الكيميائية تساهم في تدهور الصفات الكيميائية و الفيزيائية للتربة وأثرها السلبي على الأحياء الدقيقة . تكمن خطورة و سمية المبيدات الكيميائية في بقائها في التربة لعدة سنوات و أثرها التراكمي و ما يسمى بالتراكم البيولوجي biological concentration أي و تراكم العناصر السامة عبر السلسة الغذائية. يزداد تركيز العناصر السامة في نسج النباتات البرية و المحاصيل الزراعية و تنتقل إلى الحيوانات ( أبقار و أغنام ) عن طريق الغذاء ثم تنتقل للإنسان عن طريق تناول الخضار و الفواكه و اللحوم و الأسماك وتؤدي إلى أضرار فيزيولوجية في الجسم. فالتلوث بالمبيدات و الأسمدة الكيميائية تهدم التوازن الحيوي الطبيعي في التربة و تنقل العناصر السامة عبر السلسلة الغذائية.

المكافحة الحيوية Biological Control
المكافحة الحيوية أو البيولوجية عبارة عن مجموعة طرق تستدعي استعمال كائنات تخفض نسبة الأضرار التي تسببها كائنات حية أخرى ضارة بالإنسان أو الحيوان أو النبات، و هدف المكافحة الحيوية ليس إزالة نوع معين إزالة كاملة، بل التقليل من الأضرار التي تحدثها على الصعيد الاقتصادي، وتستخدم المكافحة الحيوية حديثاً بدلاً من المبيدات الكيميائية. وطرق المكافحة الحيوية عديدة و متنوعة تعتمد على بيئة الحشرات الضارة و أنواعها و سلوكها و من طرق المكافحة الحيوية :
- استعمال الحشرات المفترسة.
- استخدام الكائنات الطفيلية (فيروسات جراثيم فطريات ).
- استعمال المواد الجاذبة أو الطاردة للحشرات.
- تعقيم الحشرات الضارة.
ومن استعمالات المكافحة الحيوية حديثاً استخدام الهرمونات النباتية وبتراكيز معينة في مكافحة الآفات الزراعية مثل هرمونات تفرزها أشجار التنوب قاتلة لدودة حياة الآفات الزراعية (اليرقات ) تفرز أشجار الصنوبر هرمونات نباتية تقضي على كثير من الحشرات الضارة و هرمونات نباتية لإيقاف النمو في بعض الحشرات، و الأبحاث العلمية في تطور مستمر لإيجاد طرائق مختلفة من المكافحة الحيوية و الإقلال من استعمال المبيدات الكيميائية الضارة. يزداد تركيز العناصر السامة في نسج النباتات البرية و المحاصيل الزراعية و تنتقل إلى الحيوانات (أبقار و أغنام )عن طريق الغذاء ثم تنتقل للإنسان عن طريق تناول الخضار و الفواكه و اللحوم و الأسماك وتؤدي إلى أضرار فيزيولوجية في الجسم. فالتلوث بالمبيدات و الأسمدة الكيميائية تهدم التوازن الحيوي الطبيعي في التربة وتنتقل العناصر السامة عبر السلسلة الغذائية.

طرق الحفاظ على التربة وحمايتها من التلوث :
للاستفادة من التربة الجيدة لا بد من الحفاظ عليها وزيادة خصوبتها ومنع انجرافها والاهتمام بدور الغطاء النباتي والحد من التصحر، يعني انجراف التربة.

تعرية الطبقة السطحية :
منها بفعل عوامل متعددة أهمها : الماء و الرياح و نتيجة التعرية تنجرف الطبقة السطحية الحاوية على المواد الخصبة اللازمة لنمو النباتات. يجري انجراف الطبقة السطحية من التربة بشكل سريع و لكن إعادتها يتطلب زمنا طويلا فتشكل طبقة من التربة سماكتها 18 سم تحتاج إلى زمن قدره حوالي 5 آلاف عام حيث إن تشكل التربة يجري بسرعة تقدر ب 0.5 - 2 سم لكل مئة عام و أن تخريب هذه الطبقة التي سماكتها 0.5 - 2 سم يحتاج إلى 30-20 سنة و أحيانا أقل بسبب العواصف المطرية أو الهوائية.
يمكن تمييز نمطين من الانجراف :

-الانجراف الهوائي :
و يتم بواسطة الرياح و خاصة في المناطق الجافة. و يزداد خطر الانجراف الهوائي إذا كانت سرعة الرياح كبيرة 60 - 70 كم/ساعة مما يسبب أضراراً كبيرة و يكون تأثير الرياح قليلاً على التربة الرطبة و كبيراً  على التربة الجافة و يمكن للرياح الشديدة (عواصف) أن تجرف خلال وقت قصير (1- 2 يوم) طبقة من التربة عمقها 2-1 سم .
تتغير سرعة الرياح حسب الأوساط البيئية المختلفة (غابة سهول مستنقعات ) و بمقدار الارتفاع عن سطح التربة و تزداد السرعة كلما ازداد الارتفاع ، و خير وسيلة لحماية التربة من الانجراف الريحي هو الغطاء النباتي الدائم سواء عشبي أو شجري و تلعب مصدات الرياح دوراً فعالاً في حماية الأراضي و المزروعات من خطر الرياح. وللرياح تأثير ميكانيكي مباشر على الأشجار والشجيرات النامية في التربة المنحدرة و ذلك بما تحمل الرياح معها ذرات الرمال أو الثلج و غالباً ما تأخذ النباتات شكلاً خاصاً، فالأغصان العلوية للأشجار والشجيرات تصبح موازية لسطح التربة.

-الانجراف المائي :
يحدث نتيجة جريان للماء السطحي Surface runoff أو جريان الماء الأخدودي حيث تتوسع هذه الأخاديد بشكل دائم على حساب الأراضي المجاورة ويزداد خطر الانجراف المائي للتربة كلما كانت المنطقة منحدرة و عارية عن الغطاء النباتي.

المراجع :
- البيئة النباتية : د. محمد غسان سلوم مطبوعات جامعة دمشق 1990 م.
- الإنسان و البيئة : إصدار المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم المطبعة العربية الحديثة - القاهرة - 1987 م.
- التلوث و حماية البيئة : د. محمد العوادات مطبعة الأهالي دمشق 1988 م.
- البيئة العامة : د. خوري و عبيدو مطبعة الاتحاد دمشق 1990 م.
- البيئة التطبيقية و التلوث : د. محمد غسان سلوم د. عدنان علي نظام منشورات جامعة دمشق 2011 م.
- علم البيئة النباتية : د. محمد غسان سلوم د.سهيل نادر منشورات جامعة دمشق 2008 م.
- تلوث البيئة ... الفساد في الأرض د. محمد غسان سلوم منشورات دار المكتبي بدمشق 2014 م.


0 comments: