النباتات الاقتصادية ورفاهية الإنسان ....الأدب العلمي العدد الثاني والثلاثون
Showing posts with label بيئة المستقبل. Show all posts
د. محمد غسان سلوم
تؤثر النباتات الاقتصادية ومنتوجاتها في رفاهية الإنسان من
نواحي الغذاء والدواء والكساء فمنذ خلق الإنسان وهو يعتمد في حياته على النباتات
اعتماداً بالغ الأهمية في ضرورات حياته . وإن الكثير من المنتجات النافعة كلها
مستمدة بدرجة كبيرة من النباتات ، فغذاء الإنسان من النبات ، وربما نقول الإنسان
يأكل لحوم الحيوانات ولكن هذه الحيوانات تعتمد على النباتات بقدر ما يعتمد الإنسان
على هذه النباتات .
لمتابعة المقال راجع مجلة الأدب العلمي العدد الثاني والثلاثون بيئة المستقبل
Read more...
الضجيج أذى جسدي وعقلي ....الأدب العلمي العدد الثامن عشر
رنا رياض الحسن
الضجيج أو (التلوث الصوتي) هو من أشد أنواع
التلوث إيذاءً لسلامة الإنسان الجسدية والعقلية. وهو من أبرز مظاهر التلوث التي
تحيط بالإنسان اليوم ومسبب رئيسي للعديد من الأمراض الناتجة عن الذبذبات الصوتية،
وما تعكسه تلك الذبذبات من أثر سلبي على صحة الإنسان.
الأصوات مظهر للفناء كما هي مظهر للحياة
إذا كانت الأصوات سواء منها الطبيعية مثل أصوات
الرعد والبرق، والأمواج وحفيف الأشجار، أو الأصوات الصادرة عن البشر والموسيقا، إذا
كانت جميعها مظهراً للحياة ودبيبها في الكون، إلا أنها بالمقابل مظهرٌ للفناء. يتميز
الصوت المسموع الذي يمكن تحديده، بدوره واستمرار توتره ضمن قيم المجال المحدد، وبأن
الأذن المتلقية تستسيغه خاصة إذا كان موقعاً بشكل موسيقي ناعم. ويقاس الصوت:
-1 بالفون Phon وهو معيار لارتفاع الصوت.
2 بالديسيبل Decibel هو معيار لضغط الصوت.
الصوت إذن هو ذبذبة تزداد علواً وهبوطاً، وله موجة
تطول وتقصر، وتسمع الأذن البشرية الأصوات بين 20 - 20000 ذبذبة في الثانية، وعادة ما
يكون التخاطب بين الأفراد بين 200 - 6000 ذبذبة/ثانية، وفي الواقع يصعب على الإنسان
سماع الأصوات فوق 20000 ذبذبة/ثانية، حيث يصبح ضجيجاً غير مسموع، ونطلق عليها كما ذكرنا
أعلاه ضجيجاً فوق صوتي.
وهناك بعض الحيوانات مثل الكلاب وبعض الطيور قادرة
على تمييز هذا الصوت(جدول رقم 1)
أما مستويات الضجيج التي يسمعها الإنسان بشكل يومي
وعادة ما تكون مركبة من موجات متعددة(جدول رقم 2)
إن مصادر الضوضاء الناتجة عن محركات السيارات والآليات
والطائرات هي ضوضاء بشكل خاص أكثر ضرراً وتأثيراً في البيئة والإنسان نعدد منها:
1-المحركات والسيارات والصوت الناتج عن الاحتراق
في محركات الاحتراق الداخلي هو صوت فرقعة، وكذلك ضجيج الأجزاء الترددية في المحرك وآلية
التبادل الغازي (الصمامات) وصوت انفلات غاز العادم وصوت سحب الهواء في مصافي الهواء
وفي دارة التبريد، وصوت الاهتزاز الناتج عن عدم التوازن الكامل والتام للجملة الدورانية
وملحقاتها في جملة نقل الحركة، وضجيج المكابح واهتزاز كتلة السيارة وما تحمله من أحمال
والتي تئن تحتها جملة التعليق النابضي الصفيحي، أو الحلزوني، عند السير على طرقات ذات
المواصفات المختلفة وكذلك ضجيج أنظمة التكييف وملحقاتها على هذه المركبات.
2-محركات الطائرات: نميز نوعين من الضجيج الضوضائي
الذي يصدر عن المحرك النفاث:
أ- الأصوات الصادرة عن الضواغط في مقدمة المحرك
النفاث «عنفات ضغط هواء الدخول .»
ب- الهدير الصادر عن خليط الهواء والوقود المحترق
«الغاز العادم » وهو يرعد خارجاً من مؤخرة المحرك ليعطي دفعاً إلى الأمام وفقاً للقانون
الثالث من قوانين نيوتن للحركة مبدأ الدفع النفاث.
3-ونضيف إلى ذلك فرقعة اجتياز حاجز الصوت عندما
تزيد سرعة الطائرة عن ضعف سرعة الصوت «ماخ » وهي الضوضاء التي تعتبر أخطر جلبات الطيران
وأهم مساوئ المدينة الحديثة ضريبتها الباهظة على الإنسان.
إن هذا الضجيج الذي تصدره محركات السيارات والآليات
والطائرات بأنواعها، هو من أكثر مصادر التلوث السمعي انتشاراً في المدن، وأكثرها تلويثاً
للبيئة، حيث لا يقتصر شر الضجيج على الإنسان فقط بل يتجاوزه إلى مجمل السلم الإحيائي
من نبات وحيوان وبشر.. ومن هنا اهتمت الدول والمنظمات العالمية الرسمية وغير الرسمية
بهذه «المشاكل الخطرة » وصدرت التشريعات الكثيرة التي حددت مستوى الضجيج وكيفية السيطرة
عليه، ورغم أنها ليست بالمستوى المطلوب وغير كافية، ولكنها تمثل البداية التي كان لا
بد منها.
أما مستويات الضوضاء «الضجيج » المؤثرة على الإنسان
«وفق غاديك :»Gadeke
1-المستوى 50.40 ديسيبل، ويؤدي إلى تأثيرات وردود
فعل نفسية في صورة قلق وتوتر وخاصة لدى الأطفال وطلبة المدارس.
2-المستوى 80.60 ديسيبل: وله تأثيرات سيئة على
الجملة العصبية.
3-المستوى 110.90 ديسيبل: ويؤدي إلى انخفاض شدة
السمع.
4-المستوى الأعلى من 120 ديسيبل: ويسبب ألماً للجهاز
السمعي وله انعكاسات خطيرة على الجهاز القلبي والوعائي وغيرها من الأجهزة في الجسم
البشري.
ومن الجدير ذكره أن شدة الضجيج في المدن الكبرى
تصل إلى 100.95 ديسيبل.
الضوضاء "الضجيج" وآثارها علمياً وطبياً :
1-أثر الضوضاء على الجنين :
يطفو الجنين في رحم أمه فوق بحر داخلي، وهو السائل
الأمينوسي الذي يحميه، وهو بمثابة وسادة هيدروليكية واقية «رادع ارتجاج مخمد » تقيه
من الصدمات البدنية العنيفة، مثل الضوء والارتجاج، ولكن هذا السائل الواقي، مع كل أسف،
لا يحمي الجنين من الضوضاء إلا قليلاً، لأنه يوصل الأصوات، وينقلها من الخارج إلى الداخل،
فهو ينقل إليه ضربات قلب أمه التي لا تنقطع، وحفيف الهواء داخل رئتيها، فضلاً عن صوت
كلامها،
فالواقع أن الطفل الذي لم يولد بعد، لديه سماعة
عضوية فوق جسم والدته وأذنه على أحشائها تجعله يسمع كل شيء يصدر عنها.
ويُضيف الخبراء:
«لقد وُجد أن الرحم مكان صاخب جداً فالجنين معرض
فيه للكثير من الأصوات التي تتراوح بين ضربات قلب الأم وضوضاء الشارع الخارجية »، ويستجيب
جسم الجنين الغض، وبدءاً من الشهر السابع من الحمل، للضوضاء بتغيرات في سرعة ضربات
قلبه الصغير، ويستجيب مع صوت الجرس أو مع التصفيق الحاد في حفلة موسيقية، بردود فعل
على شكل ركلات وحركات عنيفة داخل بطن أمه، وباختصار نقول: إن الأجنة تستجيب فيزيولوجياً
للضوضاء.
2-أثر الضوضاء على الأولاد الصغار
وطلبة المدارس واليافعين :
درست ردود الفعل لدى أطفال المدارس الذين تتراوح
أعمارهم بين 11 - 12 سنة والذين يتعرضون إلى ضجيج بمعدل 50.47 ديسيبل، فتبين أنه يحدث
لهم نقصاً في نشاط المخ ينتج عنه نقص في تنبه الجملة العصبية، وينعكس هذا في انخفاض
قدرتهم على الاستيعاب وسوء الرؤية، كما ينتج عن ارتفاع مستوى الضجيج زيادة في نسبة
الأدرينالين في الدم، وكذلك انخفاض نسبة السكر في الدم، في نهاية اليوم الدراسي ويفسر
العالم Palgov عام 1967 ، ذلك بأن الجسم يأخذ
وضعاً دفاعياً ضد تأثير الضوضاء عليه.
3-أثر الضوضاء والضجيج على
الكبار:
إن الضوضاء المفاجئة المرتفعة التي تضرب الأذن
البشرية عند الكبار، تطلق «من عقاله » جهاز الإنذار أو الفزع الذي نولد به، وهي آلية
لا شعورية ضرورية يملكها الكائن البشري للدفاع عن الحياة، وحينما يحدث ذلك نستعد بشكل
آلي «أوتوماتيكي » إما للدفاع عن أنفسنا بسلوك هروبي أو بسلوك قتالي، حيث تثير الضجة
المفاجئة عندنا إفرازاً عالياً للأدرنالين يؤثر في أعصابنا وعضلاتنا، فنقوم بحركات
حادة، وتنكمش أوعية بطننا الدموية لتدفع المزيد من الدم إلى عضلاتنا، وهذا يسبب ذلك
الشعور بانقلاب المعدة وتشنجها، وفي لحظة واحدة تفرغ الكبد مخزونها من الغلوكوز لتكفل
الوقود لهذه العضلات التي قد تحتاج إلى الجري للهروب أو القتال، وهذا الجيشان الداخلي
إذا تكرر مرات كثيرة فإنه ينهك الفرد بدنياً ونفسياً، وفي النهاية يمكن أن يسبب انهياراً
عصبياً وعندئذٍ لا تكون إلا خطوة واحدة، بين المرء وبين الإصابة بمرض الإجهاد Stress.
وقد اتضح من دراسات معاصرة أن للضوضاء تأثيرات عضوية
خطيرة على البالغين :
1-لوحظت الآثار التالية على طواقم حاملات الطائرات
الحربية، التعب المفرط، الغثيان العارض، فقد الشهوة الجنسية.
2-تبين أن الضوضاء الشديدة فوق 60 ديسيبل تحدث
تغيرات في موجات المخ وفي الأفعال المنعكسة للأوتار العميقة، وتسبب انفعال الجسم على
نحو ما ينفعل بإجهاد الغدة فوق الكلية أي الكظر التي تفرز الأدرنالين.
3-كما تسبب الضوضاء الشديدة نقصاً في النشاط الجنسي
وتزايداً في القرحة المعدية.
4-وتبين تأثيرها على شحوم البلازما «دهون الدم
الكولسترول والغليسريديات الثلاثية » وأن الضوضاء قد تضاعف هذه الدهون بمقدار مرتين،
وتزيد بذلك توتر البدن وتهيئ الأوعية الدموية للانسداد، وإحداث نوبة قلبية أو سكتة
دماغية.
5-ترفع الضوضاء ضغط الدم الشرياني.
6- تسقط الضوضاء ركائز حمض الاسكوربيك «فيتامين
ث » وتنقص مقداره، كما تنقص مقدار عدد الكريات البيضاء، وبذلك تخفض من مستوى المناعة
والدفاع ضد الأمراض وتخفض درجة الشفاء الطبيعي منها.
7 تبين في دراسات Koragodlin عام 1971 أن الأشخاص الذين يعملون في أجواء كان مستوى الضجيج فيها مرتفعاً،
يعانون من أمراض الجملة العصبية أكثر بثلاث مرات ممن يعملون في أجواء هادئة، وأمراض
ضغط الدم أكثر ب 1.4 مرة، وأمراض جهاز السمع أكثر من 18.3 مرة، وأمراض جهاز السمع أكثر
من 18.3 مرة، كما أن 71 % ممن يشكون من الضجيج المرتفع يشكون أيضاً من الصداع والتحسس
والتعب السريع وطنين الأذن و 48 % يشكون من النوم غير الهادئ والأحلام المزعجة وفقدان
جزئي للشهية للطعام، إضافة إلى الشعور بالانقباض، وهذا كله ينعكس على قدراتهم في العمل
والإنتاج.
8- يعاني سكان المدن الذين يتعرضون للضوضاء العالية
بنسبة أكبر من سكان الريف والجبال، فهم يعانون من مشكلات نقص السمع وخاصة الذين يتعرضون
إلى ضوضاء أكثر من 80 ديسيبل الذي هو المعيار الدولي المسموح للضوضاء، وكلما طالت مدة
التعريض للضجيج المستمر زاد احتمال الإصابة بالصمم المهني.
وباختصار نحن نعيش اليوم جميعاً في هدير يقترب
من الحد الأعلى العالمي وهو بين 85.80 ديسيبل، وهو الحد الموصى به لسلامة الأذن والسمع،
ولعله الحد الأقصى الذي يتحمله الجسم كله بأمان، ولكن للأسف فإن معدل الضوضاء الذي
نعيش فيه والذي يلوث بيئتنا أصبح قريباً جداً من هذا المعدل، وكما يقول الخبراء: إن
متوسط الضوضاء في عالمنا الراهن يزداد سنوياً بمعدل ( 1ديسيبل)، وهذا في العالم الغربي..
ولكن لا تزال الفرصة متاحة أمامنا لكبح جماح الضوضاء.. فهل نفعل؟ وننقذ عالمنا وحياتنا
وكياننا من التدمير!
المراجع:
- الضجيج - د. علي صبيح، م، محمد سعيد الجزائري.
- التلوث بالضجيج: المجلة العربية 198 / 1983
.
مجلة الأدب العلمي العدد الثامن عشر بيئة المستقبل
محمد حسام الشالاتي
بعد سنتين على الرحلة التاريخية لرائد الفضاء
السوفيتي (الروسي) "يوري غاغارين" الذي أصبح أول إنسان يسافر إلى الفضاء
الخارجي عام 1961، لحقت به مواطنته "فالنتينا تيريشكوفا" لتصبح أول
امرأة تسافر إلى الفضاء عام 1963، لتسجل من جديد إنجازاً تاريخياً عظيماً .
نشأتها :
ولدت «فالنتينا تيريشكوفا » يوم 6 آذار من عام
1937 لأسرة متواضعة في قرية «بولشويا ماسلينيكوفا » الواقعة في إقليم «ياروسلافل »
الروسي. و تنتمي عائلتها إلى فلاحين هاجروا إلى روسيا من بيلاروسيا. قُتل والدها عام
1939 في الحرب السوفيتية - الفنلندية.
في عام 1954 بدأت فالنتينا تعمل في معمل إطارات
للسيارات بمدينة «ياروسلافل » و هي لم تتخرَّج بعد من المدرسة الثانوية، و ذلك لتساعد
عائلتها مادياً. و التحقت في الوقت ذاته بمدرسة العمال المسائية و انتسبت أيضاً إلى
نادي الطيران المحلي، حيث أجرت 90 قفزة مظلية. و في الفترة ما بين عامي 1955 و
1960 استمرت فالنتينا في العمل بمصنع الغزل و النسيج، و تابعت دراستها في معهد الصناعة
الخفيفة بدورته المسائية.
تزوَّجت فالنتينا من رائد الفضاء «أندريان تزوَّجت
فالنتينا من رائد الفضاء «أندريان نيكولايف » في 3 تشرين الثاني من عام 1963 ، و أنجبت
بنتاً اسمها «إيلينا »، و هي أول طفلة في العالم كان والداها رائدي فضاء، و لكن الزواج
لم ينجح فانفصلت عن زوجها عام 1982 . أما زوجها الثاني فهو اللواء الطبيب و مدير معهد
الجراحة «يولي شابوشنيكوف » الذي توفي عام 1999 .
إنجازها :
بعد تحقيق أول التحليقات الفضائية الناجحة لروَّاد
الفضاء السوفييت الأوائل، خطر ببال كبير المُصمِّمين الفضائيين السوفييت «سيرغي كوروليوف
» أن يُطلق امرأة إلى الفضاء. و في مطلع عام 1962 بدأ البحث عن مُرشَّحات للقيام بهذه
البعثة الفضائية. و افترض أن تتصف المُرشَّحة لرائدة فضاء بالمواصفات الآتية: ألا يتجاوز
عمرها 30 عاماً، و لا يزيد طول قامتها عن 170 سنتيمتراً، و وزنها عن 70 كيلوغراماً.
وتمَّ انتقاء 5 مرشحات من مجموع المئات. وبعد انضمام
فالنتينا إلى فريق روَّاد الفضاء انتسبت إلى الجيش السوفيتي برتبة مُجنَّدة. و بدأ
إعدادها في فريق روَّاد الفضاء اعتباراً من 12 آذار من عام 1961 . و في 29 تشرين الثاني
من عام 1962 انتهى تدريبها في دورة فريق روَّاد الفضاء، حيث اجتازت امتحانات التخرُّج
بنجاح. و تعرَّضت خلال دراستها في فريق روَّاد الفضاء لاختبارات مختلفة، من بينها اختبار
الصمود أمام عوامل التحليق الفضائي، و الوجود في حجرة حرارية بلغت درجة الحرارة فيها
70 درجة مئوية، و الوجود في حجرة عازلة للصوت تقضي فيها المُرشَّحة فترة عشرة أيام.
أما التدريبات الخاصة بتحمُّل حالة انعدام الوزن فكانت تُجرى باستخدام طائرة «ميغ
- »15 ، حيث قامت بحركات بهلوانية تهدف إلى خلق حالة انعدام الوزن داخل الطائرة لمدة
40 ثانية. و كانت تتكرر مثل هذه التجارب 4 مرات خلال تحليق الطائرة، و كان يجب على
المُرشَّحة خلال هذه التجربة كتابة اسمها و القيام بمحاولة لتناول الطعام و إجراء مكالمة
هاتفية. و تمَّ التركيز الخاص على القفز المظلي، علماً بأن رائد الفضاء كان ينزل بالمظلة
قبل هبوط الجهاز الفضائي إلى الأرض. و كان من المفترض أولاً أن يُطلق إلى الفضاء طاقمان
نسائيان في وقت واحد، بيد أنه تمَّ الاستغناء عن هذا المشروع في آذار من عام 1963 ،
و اضطر المسؤولون عن البرنامج الفضائي إلى اختيار امرأة واحدة من أصل 5 مُرشَّحات،
حيث وقع الاختيار على فالنتينا كمُرشَّحة أولى لتحقيق أول تحليق فضائي نسائي في التاريخ.
قامت فالنتينا تيريشكوفا بتحليقها الفضائي التاريخي
عندما انطلقت المركبة الفضائية «فوستوك - »6 بها من «قاعدة بايكونور الفضائية » في
كازاخستان يوم 16 حزيران من عام 1963 . و استغرق التحليق أكثر من ثلاثة أيام. و في
الوقت ذاته، كان رائد الفضاء الآخر «فاليري بيكوفسكي » قد سبقها إلى مدار حول الأرض
قبل يومين في سفينة الفضاء الأخرى «فوستوك - »5 . وقد جرى كل ذلك في سريّة تامّة، لدرجة
أن فالنتينا أخبرت أهلها قبل أن تنطلق إلى الفضاء أنها ستشارك في مباراة للمظليين،
و عرف أهلها لأول مرة عن تحليقها إلى الفضاء الخارجي من أنباء الإذاعة السوفيتية. و
كانت إشارة النداء التي استخدمتها فالنتينا في الفضاء «نورس ». واكتُشِفَ بعد إطلاق
المركبة إلى الفضاء وجود خطأ في برنامجها الآلي، حيث بدأت المركبة «فوستوك - »6 تبتعد
عن الأرض كلما كانت تقوم بدورة حولها بدلاً من أن تقترب منها، فتمَّ تصحيح الخطأ مباشرة
في المدار حول الأرض. و على الرغم من الغثيان و الحالة الصحية المزعجة، تمكنت فالنتينا
من تحمُّل 48 دورة حول الأرض. و قضت ما يزيد على ثلاثة أيام في الفضاء الخارجي، وقامت
بتعبئة سجل السفينة و تصوير أفق الأرض؛ تلك الصور استُخدِمت لاحقاً عند اكتشاف طبقات
«الإيروزول » الجوية. إلا أن هبوط فالنتينا على الأرض أثار حالة من القلق، إذ انقطعت
الاتصالات معها قُبيل بدء عملية الهبوط، بينما كانت قد قذفت بنفسها من المركبة، و هو
إجراء طبيعي لعودة أوائل روَّاد الفضاء إلى الأرض، و حطّت بالمظلة في جنوب «سيبيريا
». و بعد ساعتين من هبوطها، كان خبراء قطاع الفضاء السوفيتي لا يزالون يحاولون تعقُّب
موقعها في الفضاء، و لم يعرفوا بوجودها على مسافة عشرات الكيلومترات من الموقع المُحدَّد
إلا بعد خمس ساعات من هبوطها.
أثارت رحلة فالنتينا الكثير من الإعجاب، خصوصاً
أنها جاءت في إطار السباق المحموم بين الاتحاد السوفيتي (السابق) والولايات المتحدة
الأمريكية على اكتشاف الفضاء الخارجي و معرفة أسرار المجرَّات و الكواكب الأخرى، و
إمكانية العيش خارج الكرة الأرضية. كما أنها ما زالت حتى يومنا هذا المرأة الوحيدة
التي سافرت مُنفرِدَة إلى الفضاء.
إنجازاتها اللاحقة :
بعد التحليق الفضائي، درست فالنتينا في «أكاديمية
جوكوفسكي للهندسة الجوية العسكرية » وتخرَّجت منها عام 1969 كمهندسة فضاء، و نالت درجة
الدكتوراه في العلوم التقنية عام 1977 ، و هي حالياً «بروفسور» و لها أكثر من خمسين
بحثاً علمياً. كما تمَّت ترقيتها في المناصب الحكومية التالية:
نائبة
في مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفيتي بين عامي 1966 و 1989 .
رئيسة لجنة النساء السوفييت بين عامي 1968 و
1987 . خلال الفترة ما بين 5 نيسان من عام 1969 و 28 نيسان من عام 1997 ، شغلت فالنتينا منصب رائدة الفضاء المُدرِّبة في فريق روَّاد
الفضاء.
عضو رئاسة مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفيتي بين عامي 1974 و 1989 .
رئيسة
إدارة اتحاد جمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية مع الدول الأجنبية بين عامي 1987 و
1992 .
نائبة
الشعب للاتحاد السوفيتي بين عامي 1989 و 1991 .
رئيسة
إدارة الرابطة الروسية للتعاون الدولي خلال سنة 1992 .
نائبة
رئيس الوكالة الروسية للتعاون الدولي و التنمية بين عامي 1992 و 1995 .
رئيسة
الوكالة الروسية للتعاون الدولي والتنمية بين عامي 1994 و 2004 .
تولَّت
منصب كبيرة العلماء في مركز إعداد روَّاد الفضاء اعتباراً من عام 1997 .
رُقِّيت
إلى رتبة لواء في الجيش. و تقاعدت اعتباراً من 30 نيسان من عام 1997 . نائبة مجلس الدوما المحلي في مقاطعة ياروسلافل و
مُمثّلة حزب «روسيا المُوحَّدة » فيه منذ عام 2008 .
أُطلق
اسمها على بركان موجود على سطح القمر و على كوكب صغير، إلى جانب بعض الشوارع في المدن
الروسية و البيلاروسية، وتمَّ إخراج العديد من الأفلام حولها. و مؤخراً، تمَّ الإعلان
عن رحلة «المريخ- ؛»1 و هي «رحلة بلا عودة » إلى كوكب المريخ من المُتوقّع أن تبدأ
عام 2024 ، و انتشرت الفكرة بين المُغامرين كانتشار النار في الهشيم ليبلغ عدد المُسجَّلين
الذين أبدوا استعدادهم للقيام بهذا التحدِّي آلاف المتطوِّعين خلال ساعات قليلة. إن
هذه الفكرة الجنونية كانت قد دعت لها فالنتينا تيريشكوفا سابقاً؛ بل و أبدت خلال الاحتفال
بالذكرى الخمسين لصعود أول امرأة إلى الفضاء الخارجي الذي أُقيم في «مبنى الأمم المتحدة
لشؤون الفضاء الخارجي » في «فيينا » (النمسا) عام 2013 ، أبدت استعدادها للقيام بتلك
الرحلة إلى الكوكب الأحمر؛ و لو كانت تلك الرحلة ذهاباً فقط! لتُثبت فالنتينا مُجدَّداً
قدرتها على المُغامرة و لو بعد خمسين عاماً من رحلتها التاريخية إلى الفضاء...
المراجع :
- كتاب "كتاب سلسلة أعلام للناشئة"-
العدد 26 - أعلامٌ في ريادةِ الفضاء » - محمد حسام الشالاتي - «الهيئة العامة السورية
للكتاب » - دمشق - 2014 .
- مُحاضرة «روَّاد الفضاء الأوائل » - الجمعية
الجغرافية السورية - الخميس 30 نيسان 2015 .
مجلة الأدب العلمي العدد الواحد والثلاثون بيئة المستقبل
الأسبستوس أسطورة الماضي وقلق المستقبل
د.م. بسام العجي
الأسبتستوس هذه المادة الأسطورة التي شغلت
العالم والعلماء لفترات طويلة جداً من تاريخ البشرية لمزاياها السحرية بدأت تشكل
قلقاً على مستقبل الصحة العامة فبدأت النشرات والأبحاث والتقارير تغزو بنوك
المعلومات حول العالم لدرجة بات الاعتقاد معها أن الأسبستوس يشكل تهديداً للجنس
البشري، إلا أن هذه الحماسة الشديدة لتلافي مخاطر هذه المادة يعود إلى الكلف
الهائلة لاستبدالها ولتعذر إيجاد البدائل المناسبة لها حتى الآن ، وإلى الصفات
الخارقة الآمنة التي أعطيت لهذه المادة عبر قرون طويلة من الزمن .
الأسبستوس
هو فلز مستخدم بشكل رئيس بسبب خواص صلابته ومرونته ومقاومته الحرارية مما يجعل له قيمة
تجارية عالية فهو لا يحترق كما أنه موصل رديء للحرارة والكهرباء وهو أيضاً مرن وقوي
ولا يتأثر بمعظم المركبات الكيميائية، إلا أنه يسبب مشاكل صحية خطيرة عند استنشاقه
بكميات كبيرة، ومن المعتقد أنه قد لا يشكل أي خطر صحي ما دام متماسكاً، إلا أنه يصبح
خطراً عندما يتفتت وتتطاير أليافه الدقيقة في الهواء. والأسبستوس هو فلز جاف سهل التفتيت
ويمكن تفتيته بضغط خفيف عليه. الأسبستوس هو اسم لمجموعة من الفلزات الطبيعية ذات الألياف
اللاعضوية والتي هي عبارة عن سيليكات معادن لاعضوية معرضة للتفتيت الطولي. يتفاوت طول
وشكل الألياف بشكل كبير اعتماداً على عوامل مختلفة مثل ظروف تشكل وأصل ونوع الأسبستوس.
وترتبط مواصفات ألياف الأنواع المختلفة من الأسبستوس وبالتالي تطبيقاته المحتملة بتركيبه
الكيميائي والبلّوري. وردت الإشارة الأولى إلى مادة الأسبستوس في مؤلف طيوفراسطوس،
وهو أحد تلامذة أرسطوطاليس، عن الحجارة في العام 300 قبل الميلاد، حيث أشار فيه إلى
مادة تشبه الخشب العفن تحترق بعد نقعها بالزيت من دون أن يلحق بها الضرر. وقد ذكر العديد
من علماء اليونان والرومان في القرون الأربعة اللاحقة معلومات متفرقة عن هذا الحجر
وعن استخداماته الواسعة وأماكن انتشاره.
وجرى في حينها صناعة تشكيلة واسعة من مواد الأقمشة المغزولة مع الأسبستوس المقاومة للحريق.
وجرى في حينها صناعة تشكيلة واسعة من مواد الأقمشة المغزولة مع الأسبستوس المقاومة للحريق.
وذكر الفيزيائي ديوسقوريدس وهو أحد أعلام الطب
والصيدلة الذي ولد في شمال سورية وعاش في كنف الإمبراطورية الرومانية في نفس الفترة
التي عاش فيها السيد المسيح عليه السلام أن المناشف المصنوعة من الأسبستوس كانت تُنظَّف
وتبيَّض بالنار وهو أول من أطلق اسم الأميانت على الأسبستوس بمعنى غير المشوه أو غير
الملوث للدلالة على مقاومته للنار.
أما الاسم المألوف لهذا الحجر الشائع الأسبستوس
فقد أطلقه عليه پليني في القرن الأول الميلادي، وقد ذكر في مخطوطته «التاريخ الطبيعي
» توصيفاً لهذا الحجر والمواد التي دخل في صناعتها من المفارش النسيجية للموائد وحتى
أكفان جثث الملوك التي كانت توضع في محارق جنائزية، حيث كانت الجثث ترمّد بالنار من
دون أن تحترق أكفاﻧﻬا.
وجذب الأسبستوس خلال القرون للاحقة اهتمام الملوك والعلماء في جميع أنحاء العالم. وتظهر عذراوات فستا وهي تحرس اللهب الخالد في ضريح فستا ربة نار الموقد، وقد صنعت فتائل المصابيح من مادة الأسبستوس. وعلى الرغم من أن الأسبستوس ليس سوى حجر طبيعي إلا أن الأساطير ارتبطت باسمه حتى القرون الوسطى فاعتقد البعض أن الأسبستوس ينمو كالشعر على جسم حيوان السلمندر الأسطوري الذي يستطيع العيش في النار دون أن يحترق، وقد تبنّت فرنسا صورة حيوان السلمندر المحاط باللهب في مطلع القرن السادس عشر شعاراً للملكية ووضعته على راياتها ونقودها المعدنية ويحكى أن الإمبراطور شارلمان كان يلقي غطاء مائدته المصنوع من الأسبستوس في النار ليُدخل الذعر في قلوب مدعويه. وقد أخذ الأسبستوس أسماءً كثيرةً نذكر منها: الزغب الصخري والكتان الذي لا يحترق والجلد الجبلي وحجر الشبّ الريشي.
وجذب الأسبستوس خلال القرون للاحقة اهتمام الملوك والعلماء في جميع أنحاء العالم. وتظهر عذراوات فستا وهي تحرس اللهب الخالد في ضريح فستا ربة نار الموقد، وقد صنعت فتائل المصابيح من مادة الأسبستوس. وعلى الرغم من أن الأسبستوس ليس سوى حجر طبيعي إلا أن الأساطير ارتبطت باسمه حتى القرون الوسطى فاعتقد البعض أن الأسبستوس ينمو كالشعر على جسم حيوان السلمندر الأسطوري الذي يستطيع العيش في النار دون أن يحترق، وقد تبنّت فرنسا صورة حيوان السلمندر المحاط باللهب في مطلع القرن السادس عشر شعاراً للملكية ووضعته على راياتها ونقودها المعدنية ويحكى أن الإمبراطور شارلمان كان يلقي غطاء مائدته المصنوع من الأسبستوس في النار ليُدخل الذعر في قلوب مدعويه. وقد أخذ الأسبستوس أسماءً كثيرةً نذكر منها: الزغب الصخري والكتان الذي لا يحترق والجلد الجبلي وحجر الشبّ الريشي.
أنواع الأسبستوس
الأسبستوس اسم شائع يشمل السيليكات المعدنية اللاعضوية
التي تظهر بالشكل الليفي، وتتميز هذه السيليكات بوجود ألياف مجهرية تشبه الإبر يؤدي
استنشاقها إلى حدوث أمراض صدرية خطيرة مثل سرطان الرئة والأسبستوسيس Asbestosis تتواجد هذه الألياف بشكل طبيعي بسماكات mm 20 -
1 في العديد من الصخور البركانية والمتحولة، ولأن ألياف
الأسبستوس مقاومة للنار والحرارة والتآكل وموصل رديء للحرارة والكهرباء ومقاومة لأحمال
الضغط والشد، لذلك يجري استخدامها بشكل واسع في مواد البناء ومواد العزل الحراري ومواد
العزل الكهربائي، ولكن بسبب أضرارها الصحية الكثيرة فقد تم منع استخدامها في العديد
من الدول.
ومن أهم أنواعها :
-الأسبستوس الأبيض Chrysotile :
(الشكل الليفي الأفعواني)وهو من أهم مصادر الأسبستوس
في العالم، حيث يشكل 95 % من إنتاج العالم للأسبستوس. وهو عبارة عن صفائح سيليكاتية
حاوية على المغنيزيوم ملفوفة حول محور شاقولي مشكلاً ليفاً أنبوبياً يمثل تركيبه الكيميائي
بالصيغة Mg3(Si2O5)(OH)4 وهو ذو لون رمادي؛ أو أبيض؛
أو أخضر؛ أو مصفّر مع لمعان حريري. له مقاومة عالية جداً للشدّ وأليافه ناعمة ومرنة،
إنّ هذه المادّة قابلة للذوبان في الحوامض، تعتبر روسيا الاتحادية المنتج الأكبر للأسبستوس
الأبيض في العالم، حيث تنتج لوحدها 46 % من الإنتاج العالمي، وكندا 23 % ، وجنوب أفريقيا
5%. يمكن لألياف الأسبستوس الأبيض الطويلة أن تنسج مع ألياف صناعة الألبسة المقاومة
للحريق وستائر المسرح، بينما تضاف ألياف الأسبستوس الأبيض القصيرة إلى مواد العزل المختلفة
وفي بطانات مكابح السيارات (اللبادات) ووسادات الفواصل، وتستخدم الألياف القصيرة جداً
مع المواد الأخرى لصناعة الكثير من المنتجات المستخدمة في أعمال البناء كالبلاط وأنابيب
الاسمنت الاسبستوسي والبلاستيك؛ والمواد اللاصقة؛ ومواد الأرضيات والأسقف. كما شاع
استخدام الإسمنت الأسبستوسي في صناعة الأسقف المتموّجة، وقد أبدى الإسمنت المخلوط بألياف
الأسبستوس البيضاء مقاومة ميكانيكية جيدة ومقاومة عالية للتآكل. ويتعذر استبدال ألياف
الأسبستوس تقريباً في العديد من هذه المنتجات نظراً لمقاومتها العالية وسعرها الرخيص،
ومن أهم أنواع الأسبستوس الأبيض الطبيعية: السربنتين وهو حجر أخضر اللون مرقط يُدعى
عادةً بالزبرجد الزيتوني. تسمح أليافه الطويلة والمرنة بإمكانية غزلها وحياكتها.
-الأمفيبولات Amphiboles:
وهي أنواع من الاسبستوس أكثر قساوة وهشاشة وأقل
مرونة من الأسبستوس الأبيض وتحتوي تركيزاً أقل من المغنيزيوم وهي مواد أكثر شبهاً بالزجاج
لا يمكن حياكة أليافها ولكنها أشد مقاومة للحرارة والأحماض من الزبرجد الزيتوني، ومن
وأكثر أنواعها شهرةً: الأسبستوس الأزرق blue asbestos أو الكروكيدوليت crocidolite ذو الصيغة الكيميائية . Na2Fe3Fe2Si8O22(OH)2 وهو ذو لون أرجواني شاحب أو أزرق مع لمعان حريري؛ وكذلك الأسبستوس البني
brown asbestos أو الأموزيت amosite ، ذو الصيغة الكيميائية Mg,Fe)7Si8O22(OH)2) وهو عبارة عن رماد ذو لون أسمر أو مخضوضر أو بني زجاجي اللمعان. يملك
كل الأسبستوس الأزرق والأسمر خواص مشتركة كالمقاومة العالية جداً للشدّ ومقاومة الأحماض
ولهما استخدام واسع في مجال مفارش العزل، مواد العزل الحراري والصوتي، وفي المجالات
التي تتطلب مقاومة الأحماض.
مشاكل التعرض للألياف الأسبستوسية
قد يسبب التعرض لتراكيز كبيرة من هذه المواد خلال
وجودها في الهواء أمراضاً عديدةً، كالإصابة بالسرطان وبأمراض عصبية متنوعة وتخرب الجهاز
المناعي في الجسم والإصابة بأمراض تناسلية...الخ.
ويتم تحديد الخطر الناجم عن التعرض للمواد السامة الملوثة للهواء بالنسبة لأي تجمع سكاني استناداً لقوة المادة الملوثة للهواء أي خطورتها على الصحة العامة ، ولمدة تعرضنا لهذه المادة. إنّ مشكلة ضحايا الأسبستوس هو طول الزمن قبل أن تصبح أعراض المرض واضحة، مما يجعل حقوق المطالبة بالتعويض صعبة التقديم للمحكمة فقد مات العديد من الضحايا ولم تنته دراسة حالاتهم في المحاكم، حيث ادعت الشركات المدعى عليها بالجهل بتأثيرات الأسبستوس. ويعود الاهتمام الخاص الأول بمخاطر الأسبستوس لأحد التقارير العلمية في العام 1898 ، حيث أظهرت نتائج التقرير أن جميع الوفيّات الأولى المرتبطة بالأسبستوس في أحد المصانع كانت بعمر حوالي 30 عام.
ويتم تحديد الخطر الناجم عن التعرض للمواد السامة الملوثة للهواء بالنسبة لأي تجمع سكاني استناداً لقوة المادة الملوثة للهواء أي خطورتها على الصحة العامة ، ولمدة تعرضنا لهذه المادة. إنّ مشكلة ضحايا الأسبستوس هو طول الزمن قبل أن تصبح أعراض المرض واضحة، مما يجعل حقوق المطالبة بالتعويض صعبة التقديم للمحكمة فقد مات العديد من الضحايا ولم تنته دراسة حالاتهم في المحاكم، حيث ادعت الشركات المدعى عليها بالجهل بتأثيرات الأسبستوس. ويعود الاهتمام الخاص الأول بمخاطر الأسبستوس لأحد التقارير العلمية في العام 1898 ، حيث أظهرت نتائج التقرير أن جميع الوفيّات الأولى المرتبطة بالأسبستوس في أحد المصانع كانت بعمر حوالي 30 عام.
درس أخصائي الأمراض في جامعة ليدز في العام
1929 الوضع الصحي لعمّال أحد المصانع المرجح تلوث بيئتها بألياف الأسبستوس، وقد جرت
ملاحظة وجود الألياف الأسبستوسية في رئات عمّال المصنع وفي رئات رجال لم يسبق لهم العمل
في المصنع. وربما أوردت هذه الدراسة أول تعرّض بيئي غير مهني مسجّل للأسبستوس.، وجرى
رصد الحالة الأولى لسرطان الرئة المرتبط بالأسبستوس في العام 1935 ، وتبنت الشركات
المنتجة للأسبستوس في العام 1943 تمويل دراسة تأثير الأسبستوس على الفئران البيضاء
والتي أظهرت أن 81 % من الفئران الذين استنشقوا ألياف الأسبستوس الطويلة تطورت لديهم
سرطانات الرئة. وقد أظهرت دراسات معمقة في العام 1955 أنّ نسبة سرطان الرئة بين عمّال
هذه الشركات كان أكبر بعشر مرات من المعدل الوطني.
جاءت نقطة التحوّل الحقيقية في العام 1960 في نتائج
أبحاث أحد الأطباء من جنوب أفريقيا والتي أظهرت زيادة في الوفيّات التي يسببها السرطان
في عمال منجم الأسبستوس الأزرق في Transvaal ، وكانت الأورام تقتل عمّال
المناجم والأشخاص الذين لم يسبق لهم العمل بالأسبستوس. كما أثبت دراسة صحية لعمّال
مواقع بناء السفن الخاصة بالحرب العالمية الثانية في الولايات المتّحدة في العام
1961 وجود علاقة بين الأسبستوس المنقول مع الهواء وبين تطور المرض بعد 20 سنة أو أكثر
بعد التعرّض، وأشارت الدراسة إلى أنّه من المحتمل أن تكون مصانع الأسبستوس قد عرفت
هذه الأخطار منذ زمن بعيد.
ومن أشهر حوادث التعرض للأسبستوس هي حادثة مصنع
الأسبستوس في Armley في مدينة ليدز Leeds والذي أغلق في العام 1958 ، حيث حدثت خلال السنوات الست عشرة التالية للإغلاق
حتى العام 1993 حوالي 180 حادثة وفاة بالسرطان لأشخاص عملوا في هذا المصنع، أو سكنوا
بالقرب من مناجمه أو مصانعه، أو كان لهم أقرباء عملوا هناك، حيث يمثل الأسبستوس خطراً
على أسر العاملين في مجال الأسبستوس عندما يحمل العمال غبار الأسبستوس إلى منازلهم
في ملابسهم.
وقد ورد في تقرير مصنع Armley أن أحد الضحايا الذي توفي عن عمر 42 سنة كان تذكر قبل وفاته كيف كانت والدته
تأتي من العمل في هذا المصنع مغطاة بغبار الأسبستوس ، وقد اعتقد أن إصابته حدثت بفعل
علاقته بمعطف أمه كطفل صغير. شخص آخر توفي عن عمر 43 سنة وقد تذكر قبل وفاته كيف كان
يلعق أصابعه كولد، بعد أن كان يكتب اسمه في الغبار الأسبستوسي على الأرصفة خارج بيته
في طفولته، وقد قامت الهيئات المسؤولة عن التلوث في فرنسا في تسعينيات القرن الماضي
بإخلاء المنازل المحيطة بهذا المصنع وبإخلاء منازل جيران عمال المصنع، حتى يتم إزالة
التلوث منها.
مخاطر الأسبستوس على الصحة العامة
يمكن أن يؤدّي التعرّض المهني أو البيئي للأسبستوس
إلى عدّة أمراض، أهمها مرض الميزوثيليوما mesothelioma والأسبستوسيس .asbestosis ويعتبر الأسبستوس المسبب الوحيد
المعروف لمرض mesothelioma الذي يسبب سرطان بطانة الرئتين،
وسرطان جدار الصدر الداخلي المعروف بغشاء الجنب وهو الغشاء المحيط بالرئتين، وسرطان
التجاويف البطنية المعروفة بالبريتون أو الصفاق peritoneum وهو الغشاء الذي يحد التجويف البطني ويحمي الأعضاء الباطنية وهو سرطان ليس
له علاج أو شفاء.
بالرغم من أنّ السرطانات المرتبطة بالتعرض للأسبستوس
يمكن أن تأخذ زمناً طويلاً لكي تتطور قد يصل حتى 10 – 50 سنة، إلا أنها في النهاية
هي سرطانات قاتلة دوماً، إن التعرّض لمستوى عال من تركيز الأسبستوس يسبب أمراضاً تنفسية
تبدأ بانقطاع النفس والسعال الجاف ثم يؤدّي بعد فترة إلى العجز الحادّ عن التنفس ويقود
في النهاية إلى الموت.
ويسبب الأسبستوس زيادة خطورة سرطانات الرئة وخصوصاً
لدى المدخنين. ونادراً ماتكون الفترة من التعرض الأول حتى تطور المرض أقل من 10 سنوات
وهي عادةً أكبر من ذلك بكثير.
يمكن أن تدخل جزيئات الأسبستوس إلى القصيبات التنفسية،
ومن ثم إلى الأكياس الهوائية الطرفية (الحويصلات)، ويعتمد وصولها إلى الأكياس الهوائية
الطرفية على سمكها فتصل الجزيئات ذات الحجم الصغير (الأقل من 4 ميكرومتر) إلى الحويصلات،
حيث تتصرف تصرف الغازات السامة وإذا قامت هذه الجزيئات باختراق جدار الأوعية الدموية
فقد تصل إلى أعضاء أخرى، وقد تسبب سرطانات الكلى والصفراوية والسرطانات المعوية.
ولقد وجد أن شدة الإصابة تعتمد أيضاً على تركيز
ألياف الأسبستوس في الجو ومدة التعرض للألياف واستجابة الشخص نفسه، كما يختلف التأثر
باختلاف حجم وشكل الألياف ودرجة ذوبانها، فالألياف المتموجة يتم احتجازها في النظم
التنفسية العليا (الأنف والبلعوم الأنفي والحنجرة والقصبة الهوائية)، ويتم طردها عن
طريق الأهداب المخاطية، وإذا وصلت أليافها إلى الرئة يسهل إزالتها لأنها أكثر ذوباناً؛
لذا لا يسبب هذا النوع أورام الغشاء البلوري الخبيثة، أما الألياف المستقيمة فإنها
تصطف في اتجاه الهواء لتصل إلى أعماق الرئة وبذلك تسبب أورام الغشاء البلوري الخبيثة.
التخلص من مشاكل الأسبستوس :
وحتى نعي المشكلات التي نتعرض لها اليوم وفي المستقبل
من منتجات الأسبستوس فلا بد لنا أن نشير إلى مجالات استخدامه الواسعة جداً حيث استخدمه
منتجو عصير الفواكه والخمور والسكر في مصافي لتنقية منتجاﺗﻬم، واستخدمه جراحو القلب
في خيوط الجراحة، كما استُخدم في صناعة معاجين الأسنان، وأضيف إلى الصلصال لصناعة التماثيل،
كما أضيف إلى الثلج الاصطناعي، وصنعت منه ضمادات جراحية سهلة التعقيم، واستخدمت خلائط
من البلاستيك والأسبستوس لصناعة الأزرار وأجهزة الهاتف واللوحات الكهربائية، كما استخدم
بشكل مشترك مع المطاط في حماية الجدران الفولاذية لخزانات وقود الدفع الصلب للمكوك
الفضائي لحمايته من الاحتراق بفعل درجات حرارة الإطلاق العالية جداً، وفي خلايا المحللات
الكهربائية للغواصات البحرية، إضافة إلى استخدامه في مجالات البناء المختلفة.
ولابد من الإشارة إلى أن مشكلة الأسبستوس لا ترتبط
بالمادة المصنعة وإنما ترتبط بالمشاكل المتعلقة بالعمال خلال عملية التصنيع والصيانة
والإصلاح لهذه المادة فلم يثبت حتى الآن انتقال ألياف الأسبستوس من أنابيب الاسمنت
الأسبستوسي الناقلة لمياه الشرب إلى تركيب المياه عندما تكون المادة جديدة غير مفتتة،
وتكون مشكلة هذه الأنابيب في عمليات تصنيعها وصيانتها واستبدال أجزاء منها، لذلك أغلب
ما تقوم بفرضه الهيئات البيئية والصحية حول العالم هو إلزام العمال بوضع كمامات وملابس
واقية في حالة تعرضهم لمستوى معين من غبار الاسبستوس، وإلزام الشركات بوضع غرفة خاصة
للعمال ليتمكنوا من تغيير ملابسهم بعد العمل مما يحميهم من حمل هذا الغبار في ملابسهم
إلى منازلهم.
ولا بد من الإشارة إلى أن هولندا لوحدها أنتجت
حوالي ثمانية ملايين طن من المنتجات الحاوية على
الأسبستوس في القرن العشرين، كانت في معظمها منتجات الإسمنت الأسبستوسي المستخدم في
أعمال البناء المختلفة.
وعلى الرغم من أن استخدام الأسبستوس قد منع منذ
العام 1993 إلا أن حوالي أربعمائة شخص في هولندا لوحدها لقوا حتفهم في العام 2007 بسبب
مرض الميزوثيليوما الذي يعتبر التعرض للأسبستوس هو السبب الوحيد المعروف لهذا المرض.
فعلى الرغم من أن استخدام الأسبستوس لم يعد مسموحاً
به منذ فترة طويلة إلا أنه يمكننا باستمرار مشاهدة الأسبستوس في بيئتنا اليومية ويعتقد
أن آثاره الصحية ستستمر لفترة طويلة جداً .
وقد أصدرت الكثير من البلدان حول العالم تشريعات
ملزمة بالاستبدال التدريجي لمنتجات الأسبستوس بمواد أكثر أماناً، إلا أنه حتى الآن
لم يتمكن العلماء من إيجاد مادة بديلة تحل محل الأسبستوس وتملك مواصفاته الرهيبة.
المراجع :
1-
Kazan-Allen,
L. (2004). Canadian Asbestos: a global
concern.
International journal of occupational and environmental
health,
10(2), 121-143.
2- Frey, R. S. (2006). The international traffic in
asbestos. Nature,
Society,
and Thought, 19(2), 173-180.
3- James E. Alleman and Brooke T. Mossman, (1997).
Asbestos Revisited
Once
considered safe enough to use in toothpaste, this unique substance
has
intrigued people for more than 2,000 years. Scientific American,
277(1), 54-7.
4-
WHO.
Asbestos. In: Air Quality Guidelines, 2nd ed. Copenhagen:
WHO
Regional Office for Europe; 2000.
5- Virta RL. Asbestos. In: USGS 2004 Minerals
Yearbook. U.S.
Department
of the Interior, 2005:8.1-8.3.
مجلة الأدب العلمي العدد الواحدوالثلاثون بيئة المستقبل
Read more...
الإجرام البشري الآلي ....الأدب العلمي العدد الثاني والعشرون
بقلم ميريام كومينر*
ترجمة وإعداد محمد ياسر منصور
يطرح الانترنت والشبكات الرقمية تحديات جديدة
على الأشخاص الذين يجب التعامل معها لتحقيق تقدمهم وتطورهم اقتصادياً، مع حماية
أنفسهم والصراع ضد بعض انحرافات استخدامات تلك الوسائط بشكل إجرامي والذي أصبح
يسمى الإجرام البشري الآلي، والذي يستخدم فيه الإنسان الانترنت لأعمال النصب
والاحتيال والخداع ...
فالشبكات الرقمية أصبحت مصدر أشكال جديدة من التطاول
على حقوق المجتمع والأفراد والتي تفرض علينا، في النتيجة إقدام الدول على التكيف المستمر
قانونياً للتصدي لتلك التجاوزات وإيجاد التقنيات والوسائل البوليسية والقانونية اللازمة
لتكون في مستوى الأضرار البشرية والاقتصادية الحاصلة. وتبدو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
هي الوسيلة المثالية لتسهيل عمل المجرمين وارتكاب العديد من مخالفاتهم. تشكل أنظمة
المعلومات تقدماً هاماً لمجتمعاتنا، لكنها تشكل أيضاً أخطاراً وهشاشات من الضروري أخذها
في الحسبان. وهكذا نجد أنه منذ ظهور «الإنترنت »، لا يمر أسبوع دون أن تتحدث وسائل
الإعلام عن قضية مرتبطة من قريب أو بعيد باستخدام احتيالي للشبكات . والزيادة غير الطبيعية
للتقنيات الجديدة على صعيد الاتصالات ، ومنها «الإنترنت » قد أتاحت تحويل الأنشطة التقليدية
من العالم «الواقعي » إلى ال «سيبرسبيس » وهي عبارة إنكليزية أوجدها وليام جبسون وأوردها
في كتابه المعنون «نيرومانسر » للدلالة أحياناً على العالم «الافتراضي .» سكان العالم
الذين يستخدمون الإنترنت بلغ عددهم في العام 2011 نحو 1.5 مليار إنسان ، أي بزيادة
نسبية 36 % عن عددهم في العام 2006 ، حيث قُدِّر عددهم بنحو 1.1 مليار. وهذا يعني أن
هناك رهانات للحيلولة دون إلحاق الضرر بالناس وأموالهم وتتطلب معالجة سياسية وتشريعية
في آن معاً بغية وقاية المجتمعات.
الإجرام البشري الآلي وماهي حقائقه ؟
للإجرام البشري الآلي ، عدة أشكال ووجوه يمكن تصنيفها
في نوعين ، فمن ناحية أولى هناك المخالفات التي تتعرض فيها أنظمة المعلوماتية لأعمال
تستحق العقاب، وكمثال على ذلك الدخول غير المسموح إلى المعطيات أو إلى الأنظمة لأغراض
إجرامية؛ ومن ناحية ثانية، هناك المخالفات كالتزوير، واختلاس الأموال والنصب والاحتيال
وسرقة ما يخص الآخرين وإخفائه بشكل غير شرعي ، وفضح الآخرين على الإنترنت، إلخ... فالإجرام
البشري الآلي يشمل الأنشطة الإجرامية التي تنفَّذ عن طريق التكنولوجيا والإنترنت وعبر
السيبرسبيس. من المناسب حماية الشبكات ضد الهجمات على الأنفورماتيك (المعلوماتية) والتي
تأخذ أشكالاً مختلفة : الهاكينغ(1) والكراكينغ (2) أو الفريكينغ (3). ليس الإنترنت
وحده من يشكل الظروف الاستثنائية المناسبة للمشاريع الجديدة والأنشطة اللامشروعة، بل
إنه يسمح كذلك بتنفيذ عمليات الغش والاحتيال أو ارتكاب الجرائم المعتادة عن طريق أدوات
المعلوماتية. وهكذا نجد أن الإنترنت يشجع السعي نحو تحقيق عائدات ويطرح إمكانات جديدة
أمام عالم الإجرام. وثمة استغلال فعال للتقانات الجديدة يتيح تنفيذ جرائم اقتصادية
«تقليدية » ترفع نسبة المكاسب إلى أعلى الحدود، بينما يظل مستوى المخاطرة منخفضاً.
والتقانات الجديدة تعد هدفاً ووسيلة للتعبير عن أشكال جديدة من الإجرام. وإزاء جرائم
المعلوماتية، يمكن أن يكون الحاسوب هو غاية عمل إجرامي ما، وكمثال على ذلك، سرقة المعطيات
أو تخريبها، بل يمكن أيضاً استخدامه كوسيط لارتكاب أنشطة إجرامية. إن فهم التصرفات
الجرمية عن طريق الشبكات الرقمية يصطدم بثلاث عقبات كأداء: جهل الفاعل ، فعدم معرفة
الفاعل تغري المجرم على ارتكاب جريمته ؛ تبخر المعلومات الرقمية واختفاؤها يشكل عقبة
كبيرة على صعيد البحث عن الأدلة والبراهين، والتي يمكن أن تختفي على الفور ؛ والصفة
التي تتميز بها صفات المجرمين وهي تجاوز الحدود الوطنية للدول ، أي أن هذه الجرائم
لا تعترف بالحدود بين الدول. والرهانات متعددة على صعيد الإجرام المرتكب في السيبرسبيس.
ومن المناسب الإشارة إلى الوجوه الاستراتيجية للإجرام البشري الآلي والتي تتكيف تبعاً
لتطور الأشكال والأوضاع التي تتخذها تلك الانحرافات في الأزمنة الحديثة والتي تفرض
ردوداً وطنية ، بل دولية أيضاً للتصدي لتلك الانحرافات.
الرهانات الاستراتيجية للإجرام البشري الآلي :
يجب ألا ننسى أبداً أن أصل كلمة «سيبر » ((CYBERتعني في الإغريقية : حكم (4)، تحكم.
ولهذا التحكم بطبيعته العديد من الغايات ذات الطبيعية السياسية والعلمية والثقافية
والاقتصادية في آن معاً. وبعبارات أخرى، وكما أشار برنار كارايون مندوب تارن في تقريره
حول الفكر الاقتصادي في يوليو « :2003 الإنترنت وسيلة كاملة لنقل الهيمنة السياسية
والاستراتيجية للدول التي تتحكم فيها 5( » ( . فهناك مجال للتأكد من أن شبكات المعلوماتية
الشاملة لا تستخدم كداعم أو كحامل للقيام بإعداد أو ارتكاب أو تمويه المخالفات التي
بوسعها النيل من المصالح الأساسية للدول والمشاريع. لا يمكن استبعاد الأعمال التي تستهدف
الدول، كقطع الطريق على الخدمات (أو الإدارات) الحيوية أو التخريب المدبر للمعلومات
الاستراتيجية والسرية. فعلى سبيل المثال ذهبت الحكومة الأستونية ضحية هجوم في أبريل
ومايو 2007 : وهو هجوم معلوماتي مكثف ضد مواقعها الرئيسة على الأنترنت ، بما في ذلك
مواقع العديد من المؤسسات الحكومية والمالية . أصبح أمن البنى التحتية للمعلومات الشغل الشاغل للفعاليات
العامة والخاصة التي لديها بعض العروض التكنولوجية على الإنترنت وتتخذ إجراءات للصراع
ضد المحاولات غير المشروعة أو الضارة على الإنترنت، وحماية حقوق الملكية الفكرية والمعطيات
ذات الصفة الشخصية ، وتعزيز أمن المعاملات (الصفقات) الإلكترونية. بيد أن عدد الفيروسات
تزايد في أثناء السنوات الأخيرة وأصبحت فيروسات تزداد تعقيداً. والأدوات اللازمة للقراصنة
في متناول اليد وهناك تبادل دائم للمعلومات ومهارة بين الإجرام البشري الآلي لجعل الهجمات
أكثر فاعلية باطراد. وإجراءات الصراع ضد التهديدات يجب أن تتكيف باستمرار مع التصرفات
الإجرامية الجديدة. والعالم الافتراضي يقدم لأعضاء التنظيمات الإجرامية أداة فعالة
وسريعة وغير معروفة وقليلة الكلفة. نذكر إذاً أن تقانات الإعلام أصبحت أسلحة استراتيجية
أساسية. ويمكن التأكيد اليوم أن ذلك جاء بعد عمليات إرهابية ألجأت الدول إلى إدخال
العديد من الإصلاحات إلى تشريعاتها بغية إفشال أفخاخ المجرمين الذين يستخدمون الشبكات
الرقمية لارتكاب أعمالهم. وهكذا نجد أنه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، تشدد
أكثر البلدان في تشريعاتها الجزائية ولا سيما بعد لجوء أعضاء المجموعات الإرهابية إلى
التقانات الجديدة. وعمدت تلك البلدان إلى تعزيز خاص لوسائل تقصيها الموضوعة تحت تصرف
دوائر التحقيق.
الورشة الدولية على صعيد الإجرام البشري الآلي :
الإنترنت شبكة اتصالات مفتوحة تتيح نشر جميع أنواع
المعلومات ولا تعترف بأية قيود جغرافية. وحسب النظام المطبق في البلد المرسل إليه المعلومات
، فإنها قد تعد مشروعة أو لا مشروعة حسب مفهوم البلد تجاه حرية التعبير وحماية حياة
الأفراد الخاصة. وثمة أدوات قانونية دولية، ومنها اتفاق المجلس الأوروبي مع بروتوكوله
الإضافي الذي نجح في إدخال تعريفات مشتركة للمخالفات واقترح أدوات للتقصي منادياً بتطوير
التعاون الدولي اللازم لتفعيل الصراع ضد هذه الظاهرة المتعددة الأشكال.
اتفاق المجلس الأوروبي :
اتفاق المجلس الأوروبي حول الإجرام البشري الآلي
الذي بدأ التوقيع عليه في العام 2001 دخل حيِّز التطبيق في العام 2004 وأصبح ساري المفعول.
وهو الأداة الدولية الوحيدة الإجبارية على هذا الصعيد، وهو يحدد الخطوط الرئيسة لكل
بلد يُعِدّ تشريعاً شاملاً وافياً على صعيد الإجرام البشري الآلي، ويستخدم إطاراً للتعاون
الدولي، لأنه صمم لتكون له أبعاد عالمية. وهكذا أسهمت في إعداده كل من كندا واليابان
وجنوب إفريقية والولايات المتحدة ، ووقعت عليه قبل توثيقه في العام 2006 . وأكمل الاتفاق
ببروتوكول إضافي يتعلق بتجريم أفعال ذات طبيعة عنصرية وتدعو إلى كره الأجانب والتي
ترتكب عن طريق شبكات المعلوماتية (وهذا ما لم توقع عليه الولايات المتحدة). ويصف الاتفاق
بعض التصرفات بالمخالفات الجزائية وليس التكنولوجيا بحد ذاتها. وقد عرف الاتفاق كيف
يحافظ على معاصرته وديمومته أمام ظواهر مثل ال PHISHING (الفيشينغ) وأشكال الاختلاس والانتحال للهويات ، وحجب الخدمة والإرهاب
البشري الآلي. والاتفاق مفتوح أمام أي بلد يرغب في الانضمام إليه. وفي فبراير 2008
، صادق عليه 22 بلدا ووقع عليه 21 بلداً آخر. تجري حالياً بعض الأعمال الأخرى ، ضمن
إطار ما يطرحه المجلس الأوروبي بصدد الإجرام البشري الآلي، بغية إعداد الخطوط العريضة
لمساعدة المسؤولين عن الدخول إلى هذه التكنولوجيا والدوائر المسؤولة عن فرض العقوبات
لإقامة التعاون بينهم مع تجنيبهم مَغبّة انتهاك حرمة الحياة الخاصة. ويؤكد المجلس الأوروبي
متابعته ودعمه لتفعيل تطبيق الاتفاق وينظم لقاءات دولية لذلك. وفي الخلاصة ، يبدو أن
لدى فرنسا ورشة قانونية تتيح الصراع الفعال ضد الإجرام البشري الآلي ، ولديها كذلك
دوائر مختصة بالدفاع الوطني وأمن الأراضي الوطنية. وضمن إطار الرئاسة الفرنسية المقبلة
لمجلس الاتحاد الأوروبي، تجري دراسة اتفاقات دولية تتيح التفتيش المعلوماتي الدقيق
عن بعد دون طلب ترخيص سابق بذلك من البلد المضيف للمخدِّم. ويجدر من الآن فصاعداً إنشاء
«شبكة حقيقية » تربط بين دوائر التحقيق والمؤسسة القضائية ، وتعزز التعاون الدولي بين
مجموع البلدان المعنية بغية تجنيبها أن تصبح جنة للإجرام البشري الآلي.
*ميريام كومينر : قاضية ونائب عام في محكمة الاستئناف
في فيرساي . وقد ألفت بالاشتراك مع جويل فري « الإجرام البشري الآلي : تحدي عالمي وردود
» ( منشورات ايكونوميكا – 2008 ) المصدر : Defens Nationale – عدد مايو ( 2008 ).
كيف يدمر الأغنياء العالم ...الأدب العلمي العدد الخامس عشر
بقلم هيرفيه كمبف *
ترجمة محمد ياسر منصور **
إذا كان تدمير البيئة يرتبط أساساً بالأزمة
الاجتماعية في العالم .. ففي الواقع ، إن من يمتلكون المفاتيح الأساسية والمالية
هم أيضاً المحرك الأساسي لنظام أو نمط الاستهلاك المفرط، وهم أيضاً المخربون الذين
يدمرون الكرة الأرضية .. لكن هناك أيضاً في الطبقات المتوسطة من يحذو حذوهم ويسير
على خطاهم . وإذا كان الجالسون في القمة يراهنون على تراجع النمو ..فإن المحافظة
على الأرض تحتاج إلى المزيد من المساواة بين البشر .
الأجيال الثلاثة أو الأربعة القادمة والواقعة عند
منعطف الألف الثالث هي الأولى في التاريخ ، تاريخ البشرية، منذ أن ظهر المخلوق الذي
يسير على قدمين، التي تصطدم بحدود المحيط الحيوي. وهذا التلاقي أو التصادم لا يتم بشكل
متناسق ، بل بشكل أزمة بيئية كبرى. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى بعض أشكال التصادم.
فأولها هو القلق الذي يساور حديثاً المختصين في علم المناخ: فهم يبرهنون منذ بضع سنوات
على فرضية عدم إمكان عكس التغييرات المناخية. وحتى الآن، يعتقد أن التسخين التدريجي
قد يحدث ، لكن عندما تشعر البشرية بخطورة الوضع ،فمن الممكن حفظ خط الرجعة والعودة
إلى التوازن المناخي . ويقول لنا علماء المناخ إنه من الممكن بلوغ عتبة كالتي ينزلق
فيها النظام المناخي نحو فوضى لا يمكن عكسها أو الرجوع عنها أو ترميمها. وثمة سلاسل
كثيرة من الملاحظات والترصدات تغذي هذا القلق: ذلك أن جليديات غروئنلاند تذوب على نحو
أسرع مما كان يتوقعه العلماء ؛ والمحيطات قد تستهلك كميات أقل من غاز الفحم ؛ والتسخين
قائم على قدم وساق ، وهو يسرّع ذوبان الطبقات الجليدية الواسعة الواقعة على أراضي سيبيريا
وكندا، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطلاقها كميات ضخمة من غاز الفحم والميتان الذي تحتويه.
ثمة ملاحظة ثانية ، وهي أن الأزمة البيئية لا تقف عند حدود التغير المناخي. فهذه الظاهرة
هي المعروفة أكثر من غيرها لدى العامة، وهي ليست إلا جزءاً من الأزمة الكلية ، فثمة
ظاهرة أخرى لها الأهمية نفسها دون شك: وهي تراجع التنوع البيولوجي، والذي لا نعرف مدى
خطره إلا من خلال حديث الاختصاصيين الذين يتحدثون عن «أزمة الانقراض السادسة « في إشارة
إلى الزوال المتسارع لأنواع تخضع في عصرنا للاختبارات. أما «أزمة الانقراض الخامسة
» فقد حدثت منذ 65 مليون سنة، عندما انقرضت الديناصورات. ربما كانت الظاهرة الثالثة
هي الأقل بروزاً من سابقتيها أو لم تلق التحليل الكافي الذي لقيته مسألة التغير المناخي
وهي: التلوث الكيماوي الذي عم بيئتنا، والذي له مظهران مثيران للقلق خاصة. فمن ناحية
أولى ، إن السلاسل الغذائية أصبحت ملوثة ، بجرعات صغيرة جداً من الملوثات الكيماوية.
ومن ناحية ثانية، يزداد وضوحاً أكثر فأكثر أن النظام البيئي على سطح الكرة الأرضية
في معظمه، ومجموع المحيطات التي يعتقد المرء أن قدرتها على تجديد نفسها قدرة غير محدودة
تقريباً، يزدادان ضعفاً أكثر فأكثر، إما جراء التلوث وإما جراء تدهور هذا النظام البيئي
الخاص أو ذاك. إن الولوج إلى لبّ المشكلة يحدد التحذير السياسي الواجب إطلاقه في يومنا
هذا. غير أن ناقوس الخطر لم يقرع اليوم ولا بالأمس القريب ، بل منذ عدة عقود، حيث تم
تحذير مجتمعنا من الخطر الداهم. فمنذ أن انطلقت تحذيرات راشيل كارسون في مؤلَّف «الربيع
الصامت » في العام 1962 طرحت المسألة البيئية ، ولا سيما منذ السبعينيات ، وبشكل قوي
لدى الجدل العام ولدى المؤتمرات الدولية، ومن خلال المقالات العلمية، والصراعات البيئية
عملت منذ ذلك الحين على تجميع كم هائل من المعارف والمعلومات تؤكد دائماً التوجهات
العامة. لماذا إذاً لا تتوجه مجتمعاتنا فعلاً نحو السياسات التي قد تتيح لها تجنّب
تعميق الأزمة البيئية وتوسيعها ؟ إنها المسألة الجوهرية. وللردّ على هذا السؤال ، يجب
تحليل علاقات السلطة في مجتمعاتنا. فكيف ذلك؟ منذ نحو عشرين سنة، اتصفت الرأسمالية
بعودة الفقر إلى البلدان الغنية. وتوقّف في البلدان الغربية تراجع معدّل الفقر، الذي
استمر منذ نهاية الأربعينيات ، بل انعكس الوضع في بعض الحالات. حتى إن عدد الأشخاص
الذين يمرّون بأوضاع عارضة ، أي يقعون فوق خط الفقر بقليل، قد تزايد أيضاً بشكل منتظم.
ومن ناحية ثانية ، وعلى المستوى العالمي ، فإن عدد الأشخاص الذين يعانون فقراً مدقعاً
، أي الذين لا تبلغ دخولهم الدولارين يومياً ، قد ازداد أيضاً بشكل منتظم حتى بلغ
2 مليار إنسان ، في حين أن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تقدّر عدد الأشخاص الذين
يعانون فقراً أو سوءاً في التغذية ب 820 مليون إنسان. يشكّل ازدياد التفاوت الطبقي
منذ نحو 20 سنة مظهراً آخر من مظاهر الأزمة الاجتماعية. وتشهد على هذه دراسات كثيرة.
وقد أجرى إحداها خبيران في الاقتصاد في كل من جامعتي «هارفارد » و «فيدرال رسرف بورد
» وهي الدراسة الأكثر بلاغة في التعبير عن الوضع. وقد أجرى كل من «كارولا فريدمان
» و «رافن إي. ساكس » مقارنة بين الأجر الذي يكسبه القادة الثلاثة الكبار في أكبر المشاريع
الأمريكية والبالغ عددها 500 مشروع ومتوسط أجر عمالهم. وهذا المؤشّر على تفاقم التفاوت
بقي مستقراً في الأربعينيات ، حيث بدأ تسجيل الملاحظات وحتى السبعينيات: فأرباب العمل
في المشاريع المشار إليها يتقاضون أجوراً تبلغ نحو 35 ضعفاً من الأجر المتوسط الذي
يتقاضاه عمالهم. ثم حصلت قفزة منذ الثمانينيات، حيث ارتفعت نسبة الفرق بين الأجرين
بشكل منتظم، إلى أن بلغت نحو 130 ضعفاً بعد العام 2000 . تعني
تلك الدراسات حدوث انقطاع كبير في مسيرة عمل الرأسمالية منذ 60 سنة ، وطوال فترة ما
سمي ب «الثلاثين المجيدة » أتاحت الثروة الجماعية من خلال زيادة الإنتاج باستمرار توزيعاً
عادلاً على نحو كاف لتلك الثروة بين العمل ورأس المال، مع أن علاقات التفاوت ظلت ثابتة.
وابتداء من الثمانينيات، أدت مجموعة من الظروف، لا مجال لتحليلها الآن، إلى فوارق تزداد
وضوحاً أكثر فأكثر بين مالكي رؤوس الأموال وعامة المواطنين. وكدست الأوليغارشية (حكم
الأقلية المتنفذة) بين يديها العائدات والثروات بشكل لم يسبق له مثيل منذ قرن. من الجوهري
الاهتمام بالطريقة الملموسة التي يستخدم فيها الأغنياء المفرطو الثروات أموالهم . فهذه
الأموال لم تعد تخبّأ كما كان يحدث في زمن البورجوازية البروتستانتية الصارمة التي
تحدّث عنها ماكس ويبر: فالمال على العكس، يستخدم في تغذية الاستهلاك المفرط لليخوت
والطائرات الخاصة، والقصور الباذخة والجواهر والساعات والرحلات الغريبة العجيبة المكلفة
وخليطاً برّاقاً من البذخ والإسراف المفرط. ولقد اكتشف الفرنسيون مع الرئيس نيقولا
ساركوزي مثالاً محزناً على هذا السلوك الفاضح المؤذي للنظر. لماذا يعدّ ذلك محرّكاً
للأزمة البيئية؟. لكي ندرك ذلك ، علينا الالتفات نحو الاقتصادي الكبير «تورستان فيبلن
» ، الذي وضع أفكاره ريمون آرون في مصاف أفكار كارل فون كلاوزفيتز أو ألكسي توكفيل
. وهذه الأفكار التي طواها النسيان اليوم. لا تزال باقية بإصرار حتى الآن . لنختصر
إذا تلك الأفكار في أقصى توجّهاتها . فماذا كان يقول فيبلن؟. إن التوجّه نحو التنافس
يتلاءم مع الطبيعة البشرية. وكل واحد منّا لديه ميل إلى مقارنة نفسه بالآخرين، ويسعى
إلى تحقيق تفوّق بسيط أو اختلاف رمزي بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون حوله مستخدماً هذه
السمة الخارجية أو تلك. ولم يكن فيبلن يدّعي أن الطبيعة البشرية تقتصر على تلك السمة،
ولم يكن يحكم على ذلك من وجهة نظر أخلاقية وكان يؤكّده. مستنداً في ذلك إلى العديد
من شهادات علوم الأعراق(علم يبحث في خصائص الشعوب) في عصره، وأكّد أيضاً أن هذا الشكل
من المنافسة الرمزية يلاحظ في جميع المجتمعات. علاوة على ما سبق ، يرى فيبلن أن كل
المجتمعات تفرز بسهولة كافية الثروة اللازمة لتلبية حاجاتها من الغذاء والسكن وتعليم
الأطفال واستضافة الضيوف، إلخ... بيد أنها تفرز عموماً كمية من الثروة ، تفوق كثيراً
ما يسدّ تلك الاحتياجات. فلماذا؟. لأن ذلك يعني إتاحة المجال لعناصر ليتمايز بعضهم
عن الآخر. يؤكد فيبلن بعد ذلك أن هناك غالباً العديد من الطبقات في المجتمع. ويحكم
كل طبقة منها مبدأ التنافس التفاخري. وفي كل طبقة من تلك الطبقات، يتخذ الأفراد مثالاً
يحتذي به السلوك المتّبع في الطبقة الاجتماعية الأعلى من طبقتهم والتي تظهر كل ما هو
حسن وكل ما يحسن صنعه. وهذه الطبقة نفسها تتخذ لنفسها مثالاً يحتذي به الطبقة الأرفع
منها في سلّم الثروة والسلّم الاجتماعي. وهذا التقليد يبدأ من الأسفل نحو الأعلى، مع
أن الطبقة المتربعة على القمّة تحدّد النموذج الثقافي العام لما هو ساحر وفاتن ، ولما
يفرض على الآخرين. ما الذي يحدث في مجتمع يسوده تفاوت شديد في الطبقات وعدم مساواة؟.
يسفر هذا التفاوت و اللامساواة عن تبديد ضخم، لأن التبذير المادي لدى الأوليغارشيا وهي نفسها ضحية التنافس التفاخري يستخدم مثالاً يحتذى للمجتمع كله. وكل فرد حسب مستواه،
وضمن حدود دخله، يسعى إلى امتلاك الثروات والمراتب الأغلى. وتعدّ وسائل الإعلام والدعاية
والأفلام والمسلسلات التلفزيونية والمجلات «الشعبية » هي الأدوات المروّجة للنموذج
الثقافي المهيمن.
كيف إذاً تعرقل الأوليغارشيا التطورات الضرورية
للوقاية من تعميق خطورة الأزمة البيئية ؟. يحدث هذا مباشرة ، بالتأكيد ، عن طريق وسائل
النفوذ القوية السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تمتلكها والتي تستخدمها بهدف المحافظة على
امتيازاتها . بل أيضاً يحدث هذا بشكل غير مباشر ، ولهذا أهمية مماثلة ، من خلال هذا
النموذج الثقافي المتبع في الاستهلاك ، والذي يؤثر في المجتمع كله ويحدّد له معاييره.
سنركّز الآن على علم البيئة. فالوقاية من زيادة تعميق الأزمة البيئية ، وحتى البدء
بإصلاح البيئة ، هما مبدئياً بسيطان بشكل كاف: إذ يجب على البشرية تقليل أضرارها وإساءاتها
بحق طبقة البيوسفير. والتوصل إلى ذلك سهل مبدئياً : فهذا يعني الحدّ من استخراجنا للمعادن
(الركاز) واستهلاكنا للأخشاب والمياه والذهب والنفط , إلخ... والحدّ من انبعاثات الغاز
المسبّبة للدفيئة ، وتقليص النفايات الكيماوية ، والمواد المشعّة، وفوارغ الأطعمة والأشياء
, إلخ... الأمر الذي يعني تقليص الاستهلاك المادي الكلّي لمجتمعاتنا. ومثل هذا التقليص
يشكّل السبب الجوهري لتغيير المعطيات البيئية. فمن الذي سيقلّص استهلاكه المادي ؟
تشير التقديرات إلى أن نسبة 20 إلى 30 % من سكان
العالم تستهلك نحو 70 إلى 80 % من الموارد المأخوذة كل سنة من البيوسفير (المحيط الحيوي
الذي يحيا فيه الإنسان). إذاً يجب على التغيير أن يحدث على أيدي هؤلاء ، وهذا يعني
في الأساس ، سكان أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان. ففي هذه المجتمعات المتطورة يجب
أن تطرح مسألة تقليص الاستهلاك المادي، وليس بين مجتمعات الفقراء وذوي الأجور المتواضعة
. لكن ليس المطلوب من الأغنياء غنى فاحشاً أن يقدموا وحدهم على تقليص الاستهلاك: لأنه
حتى لو أن السيد ساركوزي وفنسان بولوريه، وآلان مينك ، وبرنار أرنولت ، وآرنو غاردير
، وجاك آتالي وشلّتهم من الأوليغارك (أعضاء حكومة الأقلية) استغنوا عن سياراتهم الليموزين
وسائقيها ، وعن ساعاتهم البرّاقة ، وعن التسوّق في سياراتهم رباعية الدفّع في سان تروبيز
، فإن أعدادهم غير كافية لإحداث تغيير كاف في التأثير البيئي الجماعي. ذلك أن مجموع
طبقات الشعب المتوسطة في الغرب يجب عليها تقليص استهلاكها المادِّي والحدّ منه. نجد
هنا أن مسألة اللامساواة أو التفاوت الطبقي الاجتماعي مسألة مركزية: فالطبقات المتوسطة
لن تقبل التوجه نحو تقليل الاستهلاك المادِّي إلاّ إذا ألغي التفاوت الطبقي وتمّ تبنّي
التغيير اللازم للمساواة. وإعادة توليد الشعور بالتضامن الأساسي لبلوغ ذلك التوجه الجذري
لثقافتنا تفرض طبعاً الشروع في رصّ الصفوف لإزالة الفوارق والقضاء على اللامساواة،
وهذا يتطلب من ناحية ثانية تغيير الطراز الثقافي القائم. إن اقتراح تخفيض الاستهلاك
المادي قد يبدو مشجعاً على الصعيد الإيديولوجي الذي يحيط بنا من كل جانب. لكن اليوم،
لم تعد زيادة الاستهلاك المادي الإجمالي تترافق بزيادة الرفاهية الجماعية فهي تؤدي على العكس، إلى تراجع تلك الرفاهية. والتحضّر
الراغب في تقليص الاستهلاك المادي سيجد، من ناحية ثانية ، أن الباب يفتح أمام سياسات
أخرى . إن انتقال الثروات وهو الأداة التي تتيح الحدّ من التفاوت الطبقي ، سيتمكن من
تشجيع الأنشطة البشرية المفيدة اجتماعياً وذات الأثر البيئي الضعيف. فالصحة والتعليم
والنقل والطاقة والزراعة هي أيضاً مجالات، حيث الاحتياجات الاجتماعية كبيرة وإمكانات
العمل هامة. وهذا يعني تجديد الاقتصاد من خلال فكرة المنفعة البشرية العامة بدلاً من
وسواس الإنتاج المادي، ومن خلال تشجيع الرابط الاجتماعي بدلاً من إشباع الرغبات الفردية.
وإزاء الأزمة البيئية ، علينا اتّباع طريق الاستهلاك الأقل للوصول إلى توزيع أفضل
. بغية العيش معاً بشكل أفضل بدلاً من أن نستهلك الكثير وحدنا.
مملكة أصحاب المصارف :
بعد ثورة تموز (يوليو) ، وعندما قاد لافيت رجل
المصارف الليبرالي شريكه المتواطئ معه دوق دورليان إلى النصر في أوتيل دوفيل ، أطلق
هذه الكلمات: «بدأت منذ اليوم مملكة أصحاب المصارف » لقد أفشى لافيت سر الثورة الفرنسية.
لم تكن البرجوازية الفرنسية هي المسيطرة في عهد لويس فيليب ، بل قسم منها وهم: أصحاب المصارف ، ملوك
البورصة ، ملوك الخطوط الحديدية ، أصحاب مناجم الفحم الحجري والحديد، مالكو الغابات
، وقسم من مالكي العقارات التابعة لها ، وهم ما يسمّون ب الأرستقراطية الرأسمالية
. وهذه الأرستقراطية التي جلست على العرش، كانت تملي قوانينها على الوزارات ، وتوزع
المهام العامة والوظائف ، بدءاً من الوزارات وانتهاء بالمكاتب. كانت البرجوازية الصناعية
تحديداً تشكل جزءاً من المعارضة الرسمية ، أي أنها لم تكن ممثّلة إلاّ من خلال أقلية
في الوزارات. وكانت معارضتها قوية إلى درجة أن تطور هيمنة الأرستقراطية الرأسمالية
أصبح أكثر وضوحاً وإلى درجة أنها اعتقدت بعد اضطرابات العام 1832 والعام 1834 والعام
1839 التي أغرقت البلاد في الدماء أن سيطرتها على الطبقة العمالية توطدت أكثر... كانت
ديون الدولة ذات فائدة مباشرة لقسم من البرجوازية التي كانت تحكم وتشرع عن طريق الوزارات
. وكان إفلاس الدولة هو ، بالضبط ، هدف مضاربات البرجوازية في البورصة وكان أيضاً المصدر
الأساسي لثروتها (أي البرجوازية). وفي نهاية كل عام ، كان هناك عجز جديد للدولة . وفي
نهاية كل أربع أو خمس سنوات دين جديد. والواقع، أن كل دين جديد كان يقدم للأرستقراطية
فرصة جديدة لابتزاز الدولة، التي كانت من أجل التظاهر بأنها باقية على حافة الإفلاس،
كانت مرغمة على التعامل مع أصحاب المصارف عبر شروط غير ملائمة لها إطلاقاً . وكان كل
قرص جديد فرصة جديدة للسطو على أموال عامة الشعب، الذي يدخر أمواله لدى الدولة لتنميها
له من خلال عمليات البورصة ومفتاح تلك البورصة كان في أيدي الحكومة ومعظم أفراد الوزارات
بالشراكة... الطبقة الملكية في شهر يوليو لم تكن سوى شركة مساهمة أساسها استغلال الثروة
الوطنية الفرنسية، والتي كان يتقاسم حصص أرباح أسهمها كل من الوزراء وأصحاب المصارف
و ( 240000) ناخب وحاشيتهم. وكان لوي فيليب
هو مدير تلك الشركة... ولمّا كانت الارستقراطية المالية هي التي تملي القوانين ، وتدير
أجهزة الدولة. فقد كانت تمتلك السلطات العامة الرسمية كلها، وتهيمن على الرأي العام
في الواقع من خلال الصحافة ، وكان لها وجودها في كل المحافل، ابتداء بالبلاط الملكي
وانتهاء بالمقاهي الشعبية جداً المخصّصة للدعارة، إنه العهر نفسه، والخديعة الوقحة
نفسها، والتعطش إلى جمع الثروة نفسه، ولم يكن هذا الثراء أبداً من خلال الإنتاج ، بل
من خلال نهب ثروات الآخرين، والانطلاق نحو قمة موكانت الأرستقراطية على خلاف دائم مع
القوانين البرجوازية نفسها، والتي من طبيعتها أن الثروة المكتسبة تسعى إلى إشباع الرغبات،
حيث تصبح المتعة فاجرة، وحيث تختلط النقود بالوحل والدم. والأرستقراطية المالية ، في
طريقة كسبها للمال وفي أسلوب تمتّعها به، لم تكن سوى العصيان الذي أعلنته الطبقة العمالية
المستغلّة (البروليتاريا الأشد فقراً) في قمّة المجتمع البرجوازي.
المراجع :
- مجلة »maniere
de voir« الفرنسية - عدد يونيو - يوليو ( 2008).
مجلة الأدب العلمي العدد الخامس عشر بيئة المستقبل
*صحفي، له مؤلف : كيف يدمر الأغنياء الكوكب ،
مطبوعات سويل ، باريس ، 2004.
**كاتب وباحث سوري .
Read more...
Subscribe to:
Posts (Atom)






